ابن كثير
45
البداية والنهاية
أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، انظر إلى نفسك فلا تهلكها ، ودماء المسلمين فلا تسفكها ، والجماعة فلا تفرقها ، والبيعة فلا تنكثها ، فإن قلت أخاف الناس على نفسي فالله أحق أن تخافه من الناس ، فلا تعرضها لله في سفك الدماء ، أو استحلال محرم والسلام عليك ( 1 ) . وكتب المهلب إلى الحجاج : أما بعد فإن أهل العراق قد أقبلوا إليك مثل السيل المنحدر من علو ليس شئ يرده حتى ينتهي إلى قراره ، وإن لأهل العراق شدة ( 2 ) في أول مخرجهم ، وصبابة إلى أبنائهم ونسائهم ، فليس شئ يردهم حتى يصلوا إلى أهليهم وينبسطوا إلى نسائهم ويشموا أولادهم . ثم واقعهم عندها فإن الله ناصرك عليهم إن شاء الله . فلما قرأ الحجاج كتابه قال : فعل الله به وفعل ، لا والله مالي نظر ولكن لابن عمه نصح . ولما وصل البريد بكتاب الحجاج إلى عبد الملك هاله ذلك ثم نزل عن سريره وبعث إلى خالد بن يزيد بن معاوية فأقرأه كتاب الحجاج فقال : يا أمير المؤمنين إن كان هذا الحدث من قبل خراسان فخفه ، وإن كان من قبل سجستان فلا تخفه ، ثم أخذ عبد الملك في تجهيز الجنود من الشام إلى العراق في نصرة الحجاج وتجهيزه في الخروج إلى ابن الأشعث ، وعصى رأي المهلب فيما أشار به عليه ، وكان في شوره النصح والصدق ، وجعلت كتب الحجاج لا تنقطع عن عبد الملك بخبر ابن الأشعث صباحا ومساء ، أين نزل ومن أين ارتحل ، وأي الناس إليه أسرع . وجعل الناس يلتفون على ابن الأشعث من كل جانب ، حتى قيل إنه سار معه ثلاثة وثلاثون ألف فارس ومائة وعشرون ألف راجل ، وخرج الحجاج في جنود الشام من البصرة نحو ابن الأشعث ، فنزل تستر وقدم بين يديه مطهر بن حيي الكعبي ( 3 ) أميرا على المقدمة ، ومعه عبد الله بن زميت ( 4 ) أميرا آخر ، فانتهو إلى دجيل فإذا مقدمة ابن الأشعث في ثلاثمائة فارس عليها عبد الله بن أبان الحارثي ، فالتقوا في يوم الأضحى عند نهر دجيل ، فهزمت مقدمة الحجاج وقتل أصحاب ابن الأشعث منهم خلقا كثيرا نحو ألف وخمسمائة ( 5 ) ، واحتازوا ما في معسكرهم من خيول وقماش وأموال . وجاء الخبر إلى الحجاج بهزيمة أصحابه وأخذه مادب ودرج . وقد كان قائما يخطب فقال : أيها الناس ارجعوا إلى البصرة فإنه أرفق بالجند ، فرجع بالناس وتبعهم خيول ابن الأشعث لا يدركون منهم شاذا إلا قتلوه ، ولا فإذا إلا أهلكوه ، ومضى الحجاج هاربا لا يلوي على شئ حتى أتى الزاوية فعسكر عندها وجعل يقول : لله در المهلب أي صاحب حرب هذا ، قد أشار علينا بالرأي ولكنا لم نقبل ، وأنفق الحجاج على جيشه وهو بهذا المكان مائة وخمسين ألف ألف درهم ، وخندق حول جيشه خندقا ، وجاء أهل العراق فدخلوا البصرة واجتمعوا بأهاليهم وشموا أولادهم ، ودخل ابن الأشعث البصرة فخطب الناس بهم وبايعهم وبايعوه على خلع عبد الملك ونائبه
--> ( 1 ) نسخة الكتاب في الطبري 8 / 10 وانظر نسخة له باختلاف في ابن الأعثم 7 / 118 - 119 . ( 2 ) في الطبري وابن الأثير : شرة . ( 3 ) في الطبري : مطهر بن حر العكي . وفي ابن الأعثم 7 / 130 : حيي العتكي . ( 4 ) في الطبري : ابن رميثة الطائي . ( 5 ) في ابن الأعثم : ثمانية آلاف .